فخر الدين الرازي

65

تفسير الرازي

والقول الثاني : وهو أن لفظ الخير في هذه الآية مختص بالمال الكثير ، واحتجوا عليه بوجوه الأول : أن من ترك درهماً لا يقال : إنه ترك خيراً ، كما يقال : فلان ذو مال ، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة ، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير ، وكذلك إذا قيل : فلان في نعمة ، وفي رفاهية من العيش . فإنما يراد به تكثير النعمة ، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله ، وهذا باب من المجاز مشهور وهو نفي الاسم عن الشيء لنقصه ، كما قد روي من قوله : " لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد " وقوله : " ليس بمؤمن من باب شبعاناً وجاره جائع " ونحو هذا . الحجة الثالثة : لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك ، سواء كان قليلاً ، أو كثيراً ، لما كان التقييد بقوله : * ( إن ترك خيراً ) * كلاماً مفيداً ، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئاً ما ، قليلاً كان أو كثيراً ، أما الذي يموت عرياناً ولا يبقى معه كسرة خبر ، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته ، فذاك في غاية الندرة ، فإذا ثبت أن المراد ههنا من الخير المال الكثير ، فذاك المال هل هو مقدر بمقدار معين محدود أم لا فيه قولان : القول الأول : أنه مقدر بمقدار معين ، ثم القائلون بهذا القول اختلفوا ، فروي عن علي رضي الله عنه أنه دخل على مولى لهم في الموت ، وله سبعمائة درهم ، فقال أولا أوصي ، قال لها : لا إنما قال الله تعالى : * ( إن ترك خيراً ) * وليس لك كثير مال ، وعن عائشة رضي الله عنها أن رجلاً قال : إني أريد أن أوصي ، قالت : كم مالك ؟ قال ثلاثة آلاف ، قالت : كم عيالك ؟ قال أربعة قالت : قال الله * ( إن ترك خير ) * وإن هذا لشيء يسير فاتركه لعيالك فهو أفضل ، وعن ابن عباس إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصي وعن قتادة ألف درهم ، وعن النخعي من ألف وخمسمائة درهم . والقول الثاني : أنه غير مقدر بمقدار معين . بل يختلف دلك باختلاف حال الرجال ، لأن بمقدار من المال يوصف المرء بأنه غني ، وبذلك القدر لا يوصف غيره بالغني لأجل كثرة العيال وكثرة النفقة ، ولا يمتنع في الإيجاب أن يكون متعلقاً بمقدار مقدر بحسب الاجتهاد ، فليس لأحد أن يجعل فقد البيان في مقدار المال دلالة على أن هذه الوصية لم تجب فيها قط بأن يقول لو وجبت لوجب أن يقدر المال الواجب فيها . أما قوله : * ( الوصية ) * ففيه مسألتان : المسألة الأولى : إنما قال : * ( كتب ) * لأنه أراد بالوصية الإيصاء ، ولذلك ذكر الضمير في قوله : * ( فمن بدله بعدما سمعه ) * ( البقرة : 181 ) وأيضاً إنما ذكر للفصل بين الفعل والوصية ، لأن الكلام لما طال